الباحث نبيل عبد الرقيب محمد يعرض تجربتة حول برنامج كفالة اليتيم المدرسية    ويطعمون تدعو الخيرين لدعم حملة إغاثة للمحتاجين بصنعاء وتعز    مؤسسة عرش بلقيس تحمل المؤتمر وانصارالله مسؤلية سلامة المدنيين    المنتدى اليمني يدشن فعالياته بمناسبة اليوم العالمي للأشخاص ذوي الإعاقة    مكتب الدوزير اخلية يكذب صدور بيان باسم الوزارة    جمعية البراءة التنموية الخيرية تحتفل بذكرى المولد النبوي الشريف وتقدم وجبات مجانية لع    الدكتورة ايمان معجم تدشن ملحق (نساء واقتصاد) في صحيفة الخبر الاقتصادي!!    الخارجية اليمنية تُعلق على اجتماع لندن وتجدد دعوتها لوقف العدوان!!    في الوقت الذي يتطلب التهدئة ولتلاحم .. خطيب مسجد الحشوش يقوم بالتحريض وشق الصف    خطيب مسجد يحرض ويتهم بعض التجار بتخزين المواد البتروليه في الاحواش   
الصفحة الرئيسية  |   من نـحـن  |   إرسال خبر  |   الاتصال بنا  |   مواقع صديقة  |  
 
 بحث متقدم
الإثنين, 26-مايو-2008

mnarat_01

اليمن الجديد بقلم / د.أحمد محمد الأصبحي

قليلون هم الذين يحيطون علماً بشخصية الحسن الهمداني، والأقل منهم من وقف على حضوره الإبداعي، والموسوعي في الثقافة العربية .
من أحدثكم عنه مضى عليه أكثر من ألف عام ، ولم يكن أحد أبرز رواد عصره فحسب؛ بل مثل فكراً علمياً متقدماً لعلوم اشتغل بها عالمنا الحديث والمعاصر... فلقد قال بكروية الأرض، وتحـدث عـن خطـوط الطـول والعـرض، وعـن الجـاذبـيـة الأرضية، وبحـث في عـلم الأراضـة ( الجيولوجيا ) واستخراج المعادن، وتحدث عن سرعة الصوت والضوء، واكتشف الأكسجين ودلل على وجوده معملياً ... وكتب في الجغرافيا الوصفية، وفي التاريخ والأنساب، والآثار، والفلك، والنجوم، فضلاً عن تفقهه في الدين وفي الأدب العربي شعره ونثره ونقده... وإليه يعود الفضل في إزاحة الستار عن القلم الحميري والمساند الدهرية التي ألقى عليها أضواء كاشفة خلدها بالقيد والتبجيل في حينه، ما يسَّر على المستشرقين في العصور المتأخرة فك رموز القلم المسند واكتشاف الصلة الوثيقة بينه وبين الخطوط اللحيانية والثمودية والصفوية، والتي انتشرت في الأردن وبادية الشام والأطراف الشمالية للجزيرة العربية.
لقد نبغ عالمنا الهمداني من بين معاطن الأبل، وقوافل الجمالة وتخرج في مدرسة العصامية، وعركته المعاناة، وشحذ التحدى همته، ولم يحل البعير بينه وبين أنْ يصبح عالماً وفيلسوفاً.. فلقد جعل من جَمَله وسيلةً معرفيةً جاب بها جزيرة العرب، وجال مع أبيه منذ نعومة أظفاره في الأقطار، وتنقل بين صنعاء وصعدة ومكة والعراق والشام عبر بوابتها التاريخية معان.
وبالقدر الذي تحمل عالمنا الأهوال وأوذي في فكره، وعلمه، وحورب في حياته، وتعرضت كتبه بعد مماته للحرق والإتلاف؛ فإنَّ شهرته كانت قد طبقت الآفاق، ودخلت كتبه الأندلس، واهتم بها أمراؤها، وحفظ له الأندلسيون 23 عنواناً.. وقال عنه القاضي صاعد بن الحسن الأندلسي - قاضي طليطلة - : " .. وجدت بخط أمير الأندلس الحكم المستنصر بالله الناصر عبد الرحمن الأموي أنَّ أبا محمد الهمداني توفي بسجن صنعاء في سنة أربع وثلاثين وثلثمائة .. " .
ووصفه علي بن الحسن القفطي الشيباني المتوفي عام 646 هـ في كتابه " إنباه الرواة في أنباه النحاة " بأنه : " .. نادرة زمانه وفاضل أوانه، الكبير القدر، الرفيع الذكر، وصاحب الكتب الجليلة، والمؤلفات الجميلة، لو قال قائل: إنه لم تخرج اليمن مثله لم يَزِلَّ، لأن المنجم من أهلها لا حظَّ له في الطب، والطبيب                    لا يَدَ له في الفقه، والفقيه لا يَدَ له في علم العربية وأيام العرب وأنسابها، وأشعارها، وهو قد جمع هذه الأنواع كلها وزاد عليها.." .
وإذاً فنحن بإزاء عالم فذ، يقتضي منا الوقوف على شيء من سيرته قبل الحديث عن فكره الموسوعي، وتفكيره العلمي المتقدم.
فهو أبو محمد الحسن بن أحمد بن يعقوب بن يوسف بن داود بن سليمان الأرحبي البكيلي، ويستدل من " المقالة العاشرة " من كتابه سرائر الحكمة، أنه ولد بصنعاء يوم الأربعاء 19 صفر سنة 280 هـ ،              أي حوالي 893 م .
وكان أهله يقطنون في الأصل خراب المراشي من قضاء برط في الجزء الأعلى من مساقط جوف معين. يجمع سكانها بين عيشة التبدي والتحضر، وقد انتقل جده داود وابنه يوسف إلى الرحبة شمال صنعاء ثم سكن يوسف صنعاء، وسكن فيها أولاده من بعده.
ويوافق مولد الحسن الهمداني سنة خروج الإمام الهادي إلى الحق يحيى بن الحسين من الرس في أرض الحجاز إلى اليمن في خرجته الأولى بدعوة من بني فطيمة من خولان صعدة، وذلك إبَّان خلافة المعتضد العباسي الذي كان عامله على صنعاء علي بن حسين المعروف بجفتم.
ويذكر الحسن الهمداني في المقالة العاشرة المذكور أنه منذ بلغ السابعة من عمره، بدأ يحادث النفس بالأسفار، وكان أبوه رحالة، كما كان لأجداده بصر بالإبل منذ أن كانوا في شرق اليمن. ولما تركوا البداوة، واستقروا بصنعاء اشتغلوا بالجمالة، والبعض منهم عني بالصناعات كالتعدين. وقد كان لذلك أثره في صقل شخصيته.
وفي الخامسة عشرة  من عمره استقر مع أهله في صعده، وشارك أهله في الجمالة؛ ولما بلغ سن الخامسة والعشرين، ارتحل إلى مكة المكرمة طلباً للعلم، فقد كانت إذ ذاك من مراكز العلم، ويؤمها كثير من علماء البلدان الإسلامية لأداء فريضة الحج أو للمجاورة، فتسنى للحسن الهمداني أن يجاورها أكثر من ست سنوات، وأنْ يجلس إلى العلماء ويروي عنهم، وتفتحت له آفاق المعرفة، وانفتح له باب نفيس من المنطق فازداد منه، وانكشط عنه كثير من الجهل، واتسعت بسطته في العلم، فعلم شيئاً من علم الأخبار، وكتب صدراً من الحديث والفقه ورواه، ومال إلى مذهب الجماعة كما قال ذلك بنفسه في المقالة العاشرة، وتصدر للتدريس.
وكانت له صلة بعلماء العراق، فقد صحب أهل زمانه من العلماء وراسلهم وكاتبهم، وممن عاشرهم من العلماء أبو بكر محمد بن القاسم بن بشار الأنباري، وهو أحد عيون العلماء باللغة وأشعار العرب، وأيامها، والذي كان يختلف بين صنعاء وبغداد. وكاتب الهمداني أبا عمرو النحوي صاحب ثعلب وأبا عبدالله الحسين بن خالويه.
وكان الهمداني يعتد بأقوال شيخه أبي نصر محمد بن عبدالله اليهري الحميري في كل ما يورده من أخبار اليمن وأنساب أهله.
ومن أشهر مشائخه محمد بن عبدالله الأوساني الحميري، وكأن الهمداني يتلقى معارفه عن رواة وعلماء وأناس من أهل قطره، وعن من يتوسم فيه المعرفة من الأقطار الأخرى. وقد أكثر النقل عن بطليموس، بل لخص كتابه في مقدمة "صفة جزيرة العرب"، وتأثر كثيراً ببعض الآراء الواردة في تلك الكتب المترجمة عن اليونانية والفارسية والهندية التي وصلت إلى صنعاء حين كان وزراء الدولة العباسية في صنعاء من البرامكة وغيرهم ممن كانت لهم صلة بالأبناء، وهم بقايا الفرس.
ولدى عودته من مكة المكرمة في حوالي سنة 311هـ اقتنى الكثير من الكتب، كداووين الشعر ومؤلفات ابن الكلبي في الأنساب وغيرها... ونزل بمدينة صعدة مرة أخرى وكانت إذْ ذاك كورة بلاد خولان وقاعدة أئمة الزيدية، ومحطة هامة على طريق التجارة الممتدة من أقصى جنوب اليمن عبر مكة إلى بلاد الشام، ونقطة تجمع الحج من مختلف الجهات اليمنية .. وكان قد توفر لمدينة صعدة استقرار نسبي خلال فترات الهادي وابنية من بعده؛ المرتضى، والناصر. وأدى ذلك إلى استقطاب كثير من العلماء والأدباء والشعراء وطلاب العلم والتجار من داخل اليمن وخارجها، ونجم عن ذلك قيام حركة أدبية وفكرية، ونشاط تجاري..
وقد أفاد الحسن الهمداني من فنون العلم، وأسهم من جانبه بنصيب وافر ولاسيما في علوم الأخبار، والأنساب والشعر، إذْ لم تكن صعدة قبل ذلك من المدن التي رحل إليها أصحاب الحديث كصنعاء، وبالتالي لم تنتشر أخبارها، وقلَّ وقوف النسابة على أنسابها، وقبائلها وبطونها من خولان، فكان للهمداني باع طويل في هذا الحقل، مما زاد من مكانته العلمية بين أهل صعدة، واستحوذ على رضا القبائل من خولان وما جاورها من همدان وجمير، الأمر الذي أوغر صدور شانئيه، وجرِّه إلى حلبة الصراع السياسي الذي صُدِّر إلى صعدة انعكاساً لما ابتليت به حاضرتا دولتي الخلافة الأموية والعباسية، فما كان له من بد إلاَّ أن ينظم قصيدته الدامغة تحت وطأة الخطأ المتبادل، ودفع الثمن سجوناً ومطاردات لجزئية دُفع إليها دفعاً، وظلت تلاحقه مدى حياته وبعد مماته، ولم تشفع له علومه وغزارة معارفه بقدر ما زادت من أوار الحقد عليه، لكنه كان أقوى من كل التحديات واستطاع أن يتجاوزها حين آثر اعتزال مدينتي صعدة وصنعاء، وما سادهما آنذاك من أسباب الفتن القائمة على التمذهب السياسي الذي كان كل واحد من دعاته يريد أن يفرضه على الناس ولو بشفار السيوف.
ولازم مدينة ريدة التي قضى فيها بقية حياته وسط رهط من اللغويين، منصرفاً انصرافاً كلياً إلى التأليف الغزير، حيث كتب فيها كتاب الأكليل بأجزائه العشرة، والذي يعتبر موسوعة الحضارة اليمنية القديمة. وصنَّف من بعده كتابه صفة جزيرة العرب، وغيره من المؤلفات.
وقد أورد القاضي المحقق محمد بن علي الأكوع الحوالي، قائمة بمؤلفات الهمداني وهي:
1- الأكليل: عشرة أجزاء ( ظهر منها أربعة أجزاء 1،2،8،10 ).
2- السير والأخبار (مفقود).
3- صفة جزيرة العرب.
4- المسالك والممالك اليمنية (مفقود).
5- اليعسوب (مفقود) [وهو في فقه الصيد وحلاله وحرامه، والأثر الوارد فيه، وكيفية الصيد، وعمل العرب فيه وغريب ذلك ونحوه، والشعر فيه].
6- الأيام  (مفقود).
7- سرائر الحكمة (طبع منه المقالة العاشرة).
8- الزيج (مفقود).
9- توحيد الزيج (مفقود).
10- القوى في الطب (مفقود).
11- الحيوان (مفقود).
12- المطالع والمطارح (توجد نسخة منه في مكتبة الإسكندرية).
13- الجوهرتان العتيقتان المائعتان من الصفراء والبيضاء (مطبوع).
14- الحرث والحيلة (مفقود).
15- مفاخر اليمن ووقائعها (مفقود).
16- أخبار الإبل (مفقود).
17- أخبار الأوفياء.
18- أسماء الشهور والأيام (مفقود).
19- الدامغة وتتكون من 600 بيت (مطبوع).
20- تفسير الدامغة (مطبوع).
21- ديوان شعر الهمداني (مفقود). ( ويُروى أنه يقع في ستة مجلدات على رأي ابن خالويه).
22- الوشي المرقوم (مفقود).
من هذه التوطئة وعود على بدء يمكننا أن نقرأ الحضور الإبداعي والموسوعي للحسن الهمداني في النقاط التالية:
• كروية الأرض:
كان الهمداني في طليعة القائلين بكروية الأرض، ذكر ذلك في كتابه صفة جزيرة العرب بقوله:
 "اعلم أنِّ الأرض ليست بمسطحة، ولا ببساط مستوى الوسط والأطراف، ولكنها مقببة، وذلك التقبب لا يبين مع السّعة، إنما يبين تقبيبها بقياساتها إلى أجزاء الفلك، فيقطع منها أفق كل قوم على خلاف ما يقطع عليه أفق الآخرين طولاً وعرضاً فس جميع العمران،ولذلك يظهر على أهل الجنوب كواكب لا يراها أهل الشمال، ويظهر على أهل الشمال ما لا يراه أهل الجنوب، ويكون عند هؤلاء نجوم أبدية الظهور والمسير حول القطب، وهي عند أولئك تظهر وتغيب، وسأضع لك في ذلك مقياساً بيِّناً للعامة، من ذلك أن ارتفاع سهيل بصنعاء، وما سامتها إذا حلَّق زيادة على عشرين درجة، وارتفاعه بالحجاز قرب العشر، وهو بالعراق لا يُرى إلاَّ على خط الأفق، ولا يُرى بأرض الشمال، وهناك لا تغيب بنات نعش، وهي تغيب على المواضع التي يُرى فيها سهيل، فهذه شهادة العرض، وأمَّا شهادة الطول فتفاوت أوقات بدء الكسوفات،ووسطها وانجلائها على خط فيما بين المشرق والمغرب، فمن كان بلده أقرب إلى المشرق كانت ساعات هذه الأوقات من أول الليل والنهار أكثر. ومن كان بلده أقرب إلى المغرب كانت ساعات هذه الأوقات من آخر الليل، وآخر النهار منكوساً إلى أولها أكثر، فذلك دليل على تدوير موضع المساكن والأرض، وأنَّ دوائر الأفق متخالفة في جميع بقاع العامر، ولو كان سطح الأرض صفيحة، لكان منظر سهيل وبنات نعش واحداً ".
• الجاذبية الأرضية:
جاء في كتاب " الجوهرتين العتيقتين المائعتين من الصفراء والبيضاء " للهمداني في سياق حديثه عن الأرض، وما يرتبط بها من أركان ومياه وهواء، قوله: " فمن كان تحتها – تحت الأرض- فهو في الثبات في قامته كمن فوقها، ومسقطه وقدمه إلى سطحها الأسفل كمسقطه إلى سطحها الأعلى، وكثبات قدمه عليها. فهي بمنزلة حجر المغناطيس الذي تجذب قواه الحديد إلى كل جانب، فأما ما كان فوقه، فإَّن قوته وقوة الأرض تجتمعان على جذبه، وما دار به، فالأرض أغلب عليه وما كان بينه وبين الأرض فإنه أغلب عليه إذا كان الحديد مثلاً يسُر أجزاء الحجر، والأرض أغلب عليه بالجذب، لأن القهر من هذه الحجارة لا يرفع العلاة                 ولا سفلة الحدَّاد".
ويتضح من هذا النص اكتشاف الهمداني لحقيقة أنَّ الكرة الأرضية تجذب الأجسام في كل جهاتها، وهذا الجذب إنما هو قوة طبيعية مركزة في الأرض، وتترك حول الأرض مجالاً فعالاً أشبه بذلك المجال الذي تتمتع به القطعة المغناطيسية.
ولولا هذه الخاصية لكانت كروية الأرض ودورانها سببين أساسيين في طيران ما على سطح الأرض من كائنات ومحيطات، وأشياء غير ملتصقة بها طبيعياً.
لقد ربط الهمداني الخاصية بالأرض، ولم يقل بالنص أنَّ الأجسام تجذب بعضها البعض، وهو المفهوم الذي يشكل أساس قانون نيوتن، للجاذبية الأرضية.
لقد كانت محاولة الهمداني في فيزياء آلية سقوط الأجسام إلى الأرض محاولة مبكرة نجحت في طرق التقنين الذي أنجزه لاحقاً.
• سرعة الصوت والضوء:
لقد كان الهمداني أول من فرق بين سرعتي الصوت والضوء، ويتضح ذلك من ملاحظته الدقيقة وتطبيقه العملي الذي وصف به الظاهرة على جبل تُخلي (جبل مسور حجه)، قال بعد ذكر ارتفاع الجبل، وتكاثف السحاب: " .. فإذا وقع فيه لامعة البرق، وتبعها صوت الرعد عجلاً على قدر بُعد العين من البرق، ومثال ذلك إذا كنت في بعض السهول، وكان منك على مدى البصر من يضرب بصاقور (فاس كبير) في حجر، أو بفأس في شجر، فنظرت إلى وقفة الفأس، لم يتأد إليك صوتها إلاَّ عند وقوع الضربة الثانية، وصوت الضربة الثانية إلاَّ عند وقوع الضربة الثالثة".
• غاز الأكسجين وظاهرة الأحتراق:
لقد كان للهمداني فضل كبير في اكتشاف غاز الأكسجين الذي أطلق عليه أسم النسيم، وأنه ضروري للتنفس والاحتراق، وقدَّم لذلك ملاحظات وأجرى عدداًُ من التجارب، وعززها بالأدلة والشواهد العملية، بأسلوب علمي سبق ما توصل إليه لافوازييه بثمانية قرون.
ففي الجزء الثامن من كتاب الأكليل، وفي باب القبوريات اعترض الهمداني على خبر مفاده أنَّ رجلين دخلا مغارة، وأمضيا فيها وقتاً طويلاً، وهما يحملان شمعة يستدلان بها على رؤية الطريق المتعرجة العميقة... وأخذ يسرد تفاصيل الخبر في خمس صفحات، أنهاها باعتراض علمي قال فيه: " ... هذا الحديث فيه زيادة لا تمكن، لأنهم ذكروا المسلك في المغارة، ثم دخولهم منها إلى هوة، وأبيات، فقَّل بها النسيم، ويعجز بها التنفس، ويموت فيها السراج.. ومن طباع النَّفس، وطباع السراج أن يحيا ما اتصل بالنسيم، فإذا ما انقطع في مثل هذه المغارات العميقة، والخروق المستطيلة لا يثبت فيها روح ولا سراج".
ودعَّم اعتراضه السابق بسوق أمثلة تجريبية معاشة، فقال: " ... ومن ذلك خرق قلعة ضهر، وهو مستطيل جداً، ويقول الناس فيه مال عظيم، وقد دخله جماعة بالمصابيح والشمع، أحدهم أبو محجن بن طريف غلام آل يعفر، وكان أميراً يطلب ما فيه ضنين، فلما تغلغلوا حصرت السُرُج في موضع انقطاع النسيم ثم طفئت، وأخذ حاملها بالكظم فنكصوا".
هم يرون أنَّ الجنَّ أطفأت السرج وليس كذلك، ولعل هذا الخرق لا شيء فيه، وإذا بلغت السرج موضع انقطاع النسيم نشص التهاب النار اللاحقة للهواء،إذ هو مجانس لعنصرها.
ويقدم الهمداني الدليل الثاني بقوله: " والدليل على ذلك أنك لو أخذت سراجاً، وملأته زيتاً صافياً أو سليطاً وصيَّرت فيه ذبالة جديدة، وألقيته على ظهر مستوى السطح، ثمَّ قلبت على السراج مكباً لا خلل فيه، وطينت على ما يتخلل من النسيم من بين خروقها، ووجه السطح لمات السراج مكباً إذا انقطع عنه النسيم".
وقدم دليلاً ثالثاً من الشواهد اليومية في حياة الناس بقوله: " ومن ذلك أنَّ التنور تسجر للهريس، والفرني، والمشوي من الحملان والجواذب، ويكثر جمرها، فإذا ختم عليها طفئت النار، ورجع الجمر فحماً، ولم يبق النضج إلاَّ بالتهر (البخر)، فإذا فتحت لم تجد ناراً ، ولم تجد إلا حرارة التَّهر الواصلة من الجدار وأسفل التنور".
وإلى أبعد من ظاهرة الاحتراق، تحدث الهمداني كذلك عن ظاهرة القابلية المرتبطة بها، وقد أورد نصاً في هذا الأتجاه في كتاب الجوهرتين العتيقتين جاء فيه: " وأما ما يقبل النار، فإنه متفاضل في القبول على قدر ما فيه من أجزاء النار، كالحراق يقبل القادحة التي لا يقبلها غيره، والكرة التي تقبل داخل الزند، ثم الكرسفة التي تقبل شعلة السراج عن بعد من محاذاته، والكبريت والنفط، ثم بعد ذلك الحلفاء، واليراع، والسخت من الحطب، ثم الجزل حتى يبلغ الدوح، وكذلك أشياء أخرى لا تقبل النار قبول الحطب، إذْ ليس فيها من أجزاء النار ما فيه، ولكن قبول صدقه كالحجر الذي يصير نورة، والحجر الذي يصير حديداً، والحجر الذي يصير أسرباً ومرتكاً وفضة، والطين الذي يصير فخاراً، وآخر يصير حجراً مثل الآجر المحترق" ويقول كذلك: " ويقبل الماء النار عن حاجز، وتقبل النار الهواء وتقوى به لاتصالهما، ولا تبقى في موضع لا هواء فيه" ولقد كرس الهمداني لعلاقة قابلية ولا قابلية المادة بالاحتراق إحدى عشرة لفظة في مقطع صغير، فضلاً عن إيراده لفظة التصيير الملتصقة بالقابلية خمس مرات.
وهكذا تظهر لنا النصوص المذكورة آنفاً ظفر الهمداني بالاستقصاء والبرهان بشكل حاسم على علاقة الهواء بالإحتراق، وبالتنفس قبل ظهور أي نظرية مماثلة في أوروبا بنحو ثمانية قرون.

• الأراضة والتعدين:
والأراضة يقصد بها علوم الأرض المعنية بدارسة طبقاتها من حيث مراحلها التاريخية أو ترسبات موادها المختلفة، ودراسة المناجم، وأنواع المعادن والأحجار، والحركات الأرضية والتضاريس، وعلم البحار.
 ويبلغ عدد هذه الفروع نحواً من 24 فرعاً، ويرى بعض الباحثين أنَّ ما صنعه العرب في العصر الوسيط يمكن اعتباره البداية العلمية لأثنين وعشرين فرعاً من علوم الأرض، وأما الجيولوجيا التصويرية والهندسية فهما من منجزات العصر الحديث.
فبالعلم جابر بن حيان يبدأ تاريخ الكمياء التجريبية، وتاريخ المعادن والتعدين، والأحجار الكريمة، وتتالى من بعده الرواد في حقل الأراضة، ومنهم الكندي والرازي والطرسوسي والجلدكي، والحسن الهمداني موضوع البحث، والذي صور ما تكتنز به أرض اليمن من المعادن الثمينة ببيت الشعر في قصيدته الدامغة:
وأنفس جوهر للأرض فينا      معادنه غنائم غانيمينا
وقال في شرح هذا البيت: إنَّ باليمن من المعادن ما افترق في غيرها فمن ذلك الذهب، والفضة والحديد والجزع والبَقّرَانْ والبلّور.
وقد خص المعادن والتعدين بشيء من التفصيل في مؤلفه المتميز الجوهرتين العتيقتين . وجعله في 57 باباً، ويُعد الأول من نوعه ككتاب مفصل، يصل إلينا من العصور الوسطى، وهو بمثابة كتاب علمي في المعادن والكمياء ودليل عملي في صنعة سك النقود، ويعنى بصفة رئيسية بصنعة الذهب والفضة، ابتداءاً من استخراجهما من مناجمهما، ومروراً بتنقيتهما وضبط عيارهما، والطلاء والتلحيم بهما، وانتهاء بسك النقود منهما.
ومما يتميز به ويخالف به علماء عصره، جزمُه بأنَّ الذهب لا يأتي إلاَّ من معدنه. ولا تأتي الفضة إلاَّ من معدنها، وليس من معدن آخر، ولا يستعمل الإكسير في سبيل تحويل المادة، وإنما تستخلص المعادن من خاماتها بالتنقية.
ويختلف كتابه عن مؤلفات الكيمياء الأخرى في أسلوبه، وذلك أن الأمر عنده يتعلق بعمليات فنية كيميائية يصفها في كتابه بدقة، خلافاً لما ينظر إليها عند الآخرين كطقس يمارس باستعمال لغة سرية بما فيها الأسماء التي ترمز لتلك المعادن.
فالهمداني يبدو في كتابه هذا عالماً دقيق الملاحظة، استقى معلوماته من أهل الخبرة والمعرفة، وممن اعترف أتباعهم بتفوقهم، وبغزارة علمهم ودقة معارفهم.
وتعتبر عائلة الهمداني مصدراً، فأبوه أمده بمعلومات قيمة عن تنظيف الفضة، وكان جده الأعلى مسؤولاً لدى الدولة، وعنه أخذ خبرة عن كيفية اختبار الذهب، كما استقى الهمداني معلوماته من أصحاب المهنة أنفسهم، وخاصة من ضارب لسكة في صنعاء، ومن ضاربها في صعدة أبي إسماعيل إبراهيم بن محمد بن عبد الرحمن، وقد أمده بأخبار عن معادن الذهب الأفريقية وعن تاريخ دار السكة في صنعاء، وعلَّمه كيف يحسب عيار الذهب.. وكان الهمداني يرجع إلى الحرفيين، كلُّ في صنعته، فقد أمده الصائغ أحمد بن أبي رمادة بمعلومات عن معدن الفضة في منجم الرضراض، وحدثه أبو الحسن الذي كان يشتغل بالتعدين عن معادن الماس، وآخرون أمدوه بمعلومات عن تكوين الذهب، ومنهم عمال التعدين أنفسهم ممن يتحدثون العربية بفصاحة، أو الفرس الذين كانوا يشتغلون بالفضة.
وكان الهمداني موضوعياً في مصادره فهو يقارنها ببعضها، ويعرض الآراء المختلفة المتعلقة بأمر واحد.
ولقد خالف البيروني، وابن سينا في كونه ليس عدواً للكمياء بمفهومها القديم، فهو لا يذمها، وإنما يسميها بتسميتها الصحيحة، إذْ أنها تُعنى في الواقع بتقليد الطبيعة، وأنَّ الذهب والمعادن والأخرى تنظف بالمواد نفسها وتتأثر جميعها بالطبيعة.
ولم تقتصر إيدعات الهمداني على العلوم البحتة فحسب، بل شملت كذلك تناولاته لكثير من العلوم الاجتماعية، وما اتصل بها من علوم العرب من الشعر والنثر والبيان والأيام والأنساب والسير والأخبار، وتفرد بقراءة خط المسند، وعقد المقارنة بين قواعد الكتابة في المسند وبينها في العربية.
ورائده في هذه العلوم تحري الدقة، والتمحيص، وتقديم الدليل العلمي على رأيه في ما يرجح أو يثبت أو يدحض، نلاحظ ذلم في جميع كتبه، ومباحثه ومن ذلك ما أسس عليه كتاب الأكليل الذي توقف فيه عند قضايا كثيرة جغرافية، وعمرانية وتاريخية ولغوية وأدبية، وأخبارية وأنساب، ما جعله بحق دائرة معارف، وسفراً لا نظير له.. فهو لم يتخل عن تحري الدقة حتى في أكثر المباحث اختلافاً لمبحث الأنساب، حيث يورد أقوال النُّساب واختلافهم في أي نسب مما يتطرق إليه الاختلاف ثم يرجح إحداها، ويدعمها بالحجة والبرهان المقنع بكلمة موجزة بحيث لا يظهر أنَّ هناك تحيزاً أو ميلاً بدون دليل أو شبه دليل . وهو يتمتع بالقدرة على الوصف الدقيق لما يكتب عنه، ومن ذلك على سبيل المثال قيامه بوصف قصر غُمدان على لسان ابن شرية: " كان للغرفة أربعة أبواب قبالة الصبا والدبور والشمال والجنوب. وعند كل منها تمثال لأسد من نحاس، فإذا هبت الريح من الأرياح زأر ذلك التمثال الذي هو قبالة ذلك الباب، فإنْ تناوحت الأرواح جميعاً، زأرت جميعاً.
ويتابع الهمداني وصف القصر من الداخل بدقة متناهية، تجعل القارئ يتصور القصر ماثلاً أمامه، وهو ما قد يُمكن رساماً ماهراً من إعادة رسم لوحة مجسمة لهذا القصر، وفقاً لهذا الوصف.
والخبر الذي يورده الهمداني، يخضعه للعقل والمنطق، فهو يقوم برواية الرواية كما سمعها، ويورد الخبر كما تتناقله ألسنة الناس، ثم يعطي حكمه على إمكانية صحتها، محكماً المنطق والعقل. ومثال ذلك ما يدعيه بعض الناس من أنَّ الجن والشياطين هي التي بنت قصر سلحين، فهو يدحض هذا الإدعاء، وينفي القول من أنَّ ذلك مكتوب في نقش مساند اليمن، مستنداً إلى معلوماته التاريخية، وإلى أسلوبه الإقناعي كقوله: " ولا يمكن أنْ تكون الجن كتبت هذا لعلتين؛ الأولى أنهم ذكروا أنهم بنوا سلحين في سبع وسبعين سنة، ولم يكن بين موت سليمان، وصدر ملكة سبأ عنه إلا سبع سنين بقول المكثر. وعند موته رفعت الجن أيديها من الخدمة، وقبضت رباقها من ملك السحرة، والثانية قول علقمة يذكر أنَّ الناس بنوها لا الجن:
أبعد سلحين لا عين ولا أثر   أم بعد بينون يبنى الناس أبياتا
ويقول الهمداني في الجزء الثامن من كتاب الأكليل " وقد أكثر الناس في بناء الجن لقصور اليمن، فما ذلك إلاَّ من زيادات الناس في الأحاديث.
وفي موضع آخر من نفس الكتاب يقول الهمداني كذلك: " والعرب ينسبون كل مستطرف من البناء إلى سليمان بن داود عليه السلام، كما ينسبون كل قديم إلى عاد".
وحيث روى الهمداني عن ابن هشام الكلبي، عن الرائي قصة الرجل الذي عاش أكثر من ستمائة سنة، عقب على ذلك بقوله: هذا حديث فيه حيف.
ورأينا من قبل كيف كان يحرر الحقائق العلمية من الغموض والإبهام والخزعبلات التي حاكتها الروايات والأخبار التي تفتقر إلى الموضوعية والدقة العلمية، ويسوق لإبراز حقائق الأمور الحجج العلمية والتجريبية كما في موضوع إثبات حاجة النفس والسراج إلى النسيم.
وكثيراً ما يستخدم الهمداني لفظة قيل ويقال، عندما يقف على موضوع غير بيِّن الملامح. ثم إنه يذهب إلى تعزيز معلوماته ورفدها بالشواهد من الكتاب والسنة والشعر والأمثال والرواة المعروفين.
وعلى أساس من هذا الأسلوب العلمي تأتي إسهامات الهمداني، وآثاره وكتاباته في العلوم الأدبية والاجتماعية، ففي مجال الأدب: شهد القرن الرابع الهجري بداية حركة شعرية واسعة، والتي أخذت تغذيها تنافسات وصراعات سياسية ومذهبية وقيام الدويلات التي استقطبت في خصوماتها الشعراء، وأغدقت عليهم الأعطيات وعلى سائر الأدباء والكتَّاب الذين ذهبوا يمتدحون فضائل دول ويذمون أُخر، ويدافعون عن حكام، ويهجون آخرين، وينتصرون لهذا المذهب أو ذاك، وكادت اليمن بتاريخها العريق، وشمائل أهلها وفضلهم على أمتهم، وعلى نصرة الإسلام، تنسى؛بل لقد تجرأ البعض عليها بالنكران والجحود، فما كان من الهمداني إلاَّ أن رشح نفسه لخوض معركة أدبية وفكرية وسياسية، دفاعاً عن اليمن ومجدها الحضاري، ونبل فضائلها وعظيم مكارمها، وقام بجهد خلاق في التاريخ لأنسابها وتبيان آثارها، ومآثر حضارتها وآدابها وسائر فنونها.
ولقد تسبب الذين اجترحوا السيئات في حق اليمن وأهلها بارتفاع حمى الغيرة لدى الهمداني، ما جعله يحيد في بعض التعبيرات عن أسلوبه العلمي المعهود، ولعله كان مضطراً تحت وطأة الظلم أن يعمد إلى الجهر المضاد بنفس ما جهر به المتطاولون على اليمن من سوء القول. فقد اشتهرت له قصيدة الدامغة والتي مطلعها:
ألا يا دار هلاَّ تنطقينا      فإنا سائلون ومخبرونا
وهي تقترب من ستمائة بيت، ردَّ فيها على قصيدة للكميت بن زيد الأسدي، في المفاخرة والمفاضلة بين القبائل الشمالية والجنوبية، ثم ما لبث تحت وطأة خلافه مع الإمام الناصر أنْ قام بشرح الدامغة دفاعاً عن أحساب قومه، متحملاً في ذلك عنت العداوة والسجن، صائناً لسانه في كل الأحوال عن كل الأقذاع. والله يعفو عن من قد أتى زللا.
ولقد قدم الحسين بن خالويه (ت 370 هـ ) من حلب إلى اليمن، وأقام بمدينة ذمار يجمع ديوان شعر للحسن الهمداني، ويذكر السيوطي في البغية، أن هذا الديوان يقع في ستة مجلدات، ونجد نماذج كثيرة من شعره في كتاب الإكليل. كما أورد المحقق محمد علي الأكوع قصيدة مطوَّلة للهمداني في مقدمة الإكليل بعنوان قصيدة الجار.
من جهة أخرى لفت الهمداني الأنظار إلى الكاتب البليغ بشر بن أبي كبار البلوي (ت بعد 202 هـ / 807 م )، حيث أورد له إحدى عشرة رسالة من رسائله، ووصفه بأنه كان من أبلغ الناس، وكانت بلاغته تتهادى في البلاد، وكان له فيه مأخذ لم يسبقه إليه أحد، وبأن له قدرة عجيبة على استحضار ما يشاء من آيات القرآن، والسيرة النبوية متى يشاء، ودون إجهاد، وأنه كان صاحب أسلوب متفرد في الكتابة الفنية وليس هناك من يحاكيه في " حسن اختلاس القرآن ". فقد جعل النصَّ القرآني جزءاً أصيلاً من رسائله، وليس من يضاهيه من كتَّاب النثر العربي حتى أواخر القرن الرابع الهجري في نصاعة الأسلوب، بل إنه يمثل قمة رفيعة في النثر العربي، ونموذجاً عربياً سابقاً للجاحظ، كما يمثل أسلوبه عملاً متقدماً ملحوظاً في بناء الرسالة النثرية على عبد الحميد الكاتب.
وتفرد الهمداني بأولوية التعريف بخط المسند، وقد خصص لحروف المسند باباً في الجزء العاشر من الأكليل، وعقد مقارنة بين قواعد الكتابة في المسند، وبينها في العربية في ما يخص حذف الألف إذا وقعت في وسط الحروف "الرحمن". ويفسر بعض الكلمات الحميرية الواردة في المساند فيقول إنَّ التسلبي التجمع، والمسلبي المجَّمع بلغة حمير، في شرحه لأحد النصوص.
وقد أورد أبياتاً من الشعر بالحميرية مثل:
إني أنا القيل إلى شرح       حصنت غمدان بمنهمات
وأورد أبياتاً بلغة عربية وبخط المسند:
شحرار قصر العلا المنيف        أسه تبّع ينوف
يسكنه القيل ذي معاهر            تخر قدامه الأنوف
وقد قدم الهمداني خدمة جليلة لليمن ولأمته وللبشرية جمعاء بالتعريف بالمواطن التاريخية لقلم المسند الذي فكَّ رموزه، وذكر محافد اليمن وقصورها وأسدادها وهياكلها وآثارها، ووصفها وصفاً شيقاً وعلى حقيقتها الماثلة لذلك التاريخ المضمخ بأمجاد تلك الحضارة. وأبرز باعتزاز طبيعة نظام الحكم في اليمن، القائم على الاختيار والانتخاب الذي تؤيده الشورى المشار إليها في سورة النمل لقصة ملكة سبأ مع سليمان.
وبرع الهمداني في الجغرافيا الوصفية، وعُدَّ من فحول الجغرافيين الذين تضلعوا من هذا العلم، ونقبوا في غرائبه ونوادره، فقد كتب في هذا العلم عن رؤية ومعرفة في كتابه صفة جزيرة العرب، في ما يخص جزيرته، وكتب عن غيرها من خلال ما قرأ ونقل عن غيره، وسجَّل في كتابه هذا جغرافية وصفية للطبيعة والسكان، فذكر طبائع سكان جزيرة العرب، وذكر مساكن هذه الجزيرة، ومسالكها مياهها وجبالها ومراعيها وأوديتها، ونسبة كل موضع منها إلى سكانه، ومالكه على حد الاختصار، وعلى كم تُجزَّأ هذه الجزيرة من جزء بلدي، وفرق عملي، وصقع سلطاني، وجانب فلوي، وحيز بدوي. وحدد بخطوط الطول والعرض موقع جزيرة العرب، وذكر أطوال مدن العرب المشهورة وعروضها.
وبعد؛
فلعل في ما تقدم عرضه – على ما فيه من إيْجاز – ما هو كاف لرسم صورة تقريبية لأبرز ملامح فكر هذا العالم الموسوعي وآثاره العلمية والأدبية.
ومن المناسب أن نختم الموضوع بالحديث – وإن بإيماءة سريعة – عن الإطار الزمني، والمضمون الفكري والثقافي للعصر الذي عاش فيه الهمداني، لما لها من انعكاس على فكره وموسوعيته.
ففضلاً عما تمَّ التطرق إليه في سيرة الهمداني، عن أسرته ومجتمعه وحياة الترحال، وطلب العلم في مكة ومن أخذ منهم من العلماء أو قرأ لهم، فإنَّ الهمداني ينتمي إلى فترة زمنية شكلت العصر الذهبي للثقافة العربية وازدهار العمران، وأتاحت مجالاً رحباً أمام الفكر الذي احتوى في أحشائه شؤون الدين ومقاصده، وظروف المجتمع والحضارات الأخرى، وأدرك أنَّ النقل لا يلغي العقل، كما لا يلغي العقل النقل، وأنَّ أي تناقض بينهما ينفي الحضارة.. مما وسم ذلك العصر بقوة الفكر والإبداع والإثراء الذي لا مثيل له في الفقه ومذاهبه، والكلام ومدارسه، والفلسفة وتياراتها، والسياسة وفرقها، والتعددية الدينية بمللها ونحلها، والتمايزات القومية بلغاتها وخصوصياتها، وفي الفنون والآداب، وفي الانفتاح على مختلف الثقافات والحضارات؛ إذْ تيسر للعقل العربي الإسلامي أنْ يؤدي دوراً حضارياً ريادياً، وأنْ يرتقي إلى المستوى الذي يمكن من البحث عن الحكمة فهي ضالته، وأنى وجدها فهو أحق بها، وطلب العلم في شرع الله فريضة على كل مسلم ومسلمة، حتى وإنْ بعدت الشقة فطلبه قائم ولو بالصين. وهذا ما جعل العقل العربي الإسلامي قادراً على التحرر من الخوف على دينه وعربيته أن تغزوهما علوم الآخرين ومصطلحاتهم، فإنَّ العربية بالإسلام لغة الحضارة الإنسانية جمعاء وهي من ثم قادرة على استيعاب المصطلحات واحتوائها في أحشائها، بل إنَّ مما يسجل بمداد الفخار، دور الحضارة العربية الإسلامية في صونها للملكية الفكرية لما ترجمه علماؤها من كتب الأقدمين وحضارتهم، وإنقاذ ما أوشك أنْ يندثر من العلوم التي آلت حضارتهم إلى الزوال، فحققت بذلك الجهد الرائع تواصلاً حضارياً خدمت فيه البشرية على مر العصور، هذا فضلاً عما أرسته من سلوك أخلاقي، وأمانة علمية ومنهجية في البحث العلمي صارت تقليداً يلتزم به العلماء والباحثون في مختلف العلوم في عصرنا.
لقد عاش الهمداني في ذلك العصر الذي أظهر نمطاً من العلماء والمفكرين الذين عاشوا الدين والدنيا، وأبدعوا علمياً وفكرياً، من أصحاب معادلة الطبيب الفيلسوف، الفقيه، المثقف، العالم المكلف بتعمير الكون، أمثال الكندي وابن حيان، وابن سينا، والغزالي، وابن رشد، وابن زهر، والبيروني والرازي وابن النفيس، وابن باجه وابن طفيل، وثابت ابن قرة، وابن القف وأبو القاسم الزهراوي، وابن البيطار وابن أبي أصيبعه، وابن الهيثم وغيرهم من علماء الدين ورجال العلم في العصر العربي الإسلامي الوسيط، أولئك الذين رأوا أنَّ النقل حافز لاكتشاف الكون، لأنهم يمتلكون فكرة وكما يقول الإمام علي كرم الله وجهه: " من كانت له فكرة ففي كل شيء له عبرة ..."، وكذلك كان الهمداني، واحداً من أصحاب تلك المعادلة، وعلماً من أعلام الأمة، ورائداً بين العلماء الأفذاذ، يمتلك فكرة ..وله في كل علم باع وعبرة.   






ارسل هذا الخبر
إرسل الخبر
إطبع الخبر
RSS

التعليقات:

الاسم:
التعليق:

اكتب كود التأكيد:




جميع حقوق النشر محفوظة 2007-2017 لـ(اليمن الجديد)